المنهج العلمي في تدريس علوم الحياة و الأرض


لاشك أن مادة علوم الحياة و الأرض من المواد التي تعتمد و تستهدف في تدريسها على تطوير النهج العلمي لدى المتعلم, يشمل هذا النهج مجموعة من التقنيات كالملاحظة و التقصي و التجريب و الافتراض و الاستنتاج  و التي يجب الوعي بضرورة تطويرها و تحسينها للتمكن من اساليب التفكير العلمي و بالتالي فهم المحيط الطبيعي للانسان. و لتحقيق هكذا أهداف وجب على مدرسي علوم الحياة و الأرض التمكن من اساليب التفكير العلمي و طرق تطبيق النهج العلمي و حدود استغلاله و فوائده التربوية. و سنحاول من خلال هذا الموضوع تسليط الضوء على هذه النقط مركزين على الجانبين النظري و التطبيقي .

– نبذة تاريخية عن الاكتشاف العلمي :

بدأت دراسة العلوم و فهم الظواهر الطبيعية من فلاسفة اليونان الذين اعتمدوا بالأساس على حواسهم و تفكيرهم المنطقي لملاحظة الكون ووضع فرضيات حوله, و كان نهج الاكتشاف يتوقف عند هذا الحد دون اثبات للفرضيات و دون تجارب علمية و كانت درج مصداقية الفرضيات  و المسلمات الموضوعة خاضعة لمرجعية و سلطة الفيلسوف في المجتمع. تطورت هذه النظرة الجامدة و الرجعية – التي تقبل الأفكار و تقدسها دونما حاجة لاثباتها- مع قدوم علماء شجعوا على نبذ الأفكار التقليدية و المسلمات و اخضاعها لمحك التجريب أمثال Galilé و بعده Francis Bacon و قبلهم علماء المسلمين الذين كانوا سباقين لنقض منطق أرسطو النظري  و اتباع المنهج العلمي و الاستقراء التجريبي.

استمر تطور النهج العلمي و الذي انطلق من مجرد ملاحظة و تفكير منطقي  ليشمل بعد ذلك التجريب ثم لتظهر خطاطات تصف مراحله و تعتبر أن أي وصول الى المعرفة العلمية يتطلب اتباع مجموعة من المراحل الخطية المرتبة.

– ما هو النهج العلمي ؟ :

يتفق معظم الباحثون أن المنهج العلمي تفكير عقلي و اجراءات خطية تقود الى الاكتشاف و المعرفة و أدى هذا الفكر و التوجه الى ظهور عدة خطاطات تصف مراحل النهج العلمي و تعتبر أن كل اكتشاف و بحث يجب أن يخضع لتراتبية معينة. و تعتبر خطاطة OHERIC  لواضعها André Giordan أولى النماذج التي وصفت النهج العلمي على أنه عبارة عن : ملاحظة Observation و فرضية Hypothese و تجربة Experienceو نتيجة Resultat و تفسير Interpretation  و استنتاج Conclusion , لتظهر بعدها خطاطات جديدة OPHERIC و PHERIC تضيف الى المراحل السابقة الذكر مرحلة الاشكالية Problématique باعتبار أن البحث العلمي لايمكن أن ينطلق الا من اشكالية تسبقها في بعض الأحيان ملاحظات جدلية   Observations polémiques (ملاحظات تتعارض مع المعارف و المسلمات ).

و رغم المصداقية النظرية التي توحي بها خطاطات النهج العلمي فانها لا تصمد أمام الواقع كما لا تعكس تماما اذ أن جل -اذا لم نقل كل- الأبحاث و الاكتشافات لم تخضع لهذه التراتبية المنطقية, تراتبية توحي للمستمع أن الاكتشاف العلمي بسيط و يمكن لأي شخص عادي أن ينجزه اذا اتبع الخطوات الصحيحة, بينما يقول الواقع أن البحث العلمي  يتطلب قدرا كبيرا من الحس الابداعي و الخلاق لصنع تصورات فكرية لما لم يوجد من قبل… اذن يعاب على خطاطات النهج العلمي سذاجتها النظرية و تقسيمها للاجراءات العلمية و الفكر العلمي الى أجزاء واضحة المعالم و منفصلة عن بعضها البعض و في بعض الأحيان عن الواقع, و مراجعة أبحاث العلماء تؤكد أن الاكتشاف العلمي ليس ثمرة مسار خطي انما نتيجة فكر خلاق و نتيجة خطوات خاطئة و تجارب عشوائية و رجوعا الى الوراء و تعديلا دائما للمتغيرات و خططا و مسارات بديلة و متوازية.

و بين هؤلاء و هؤلاء, بين باحثين نظريين يؤمنون بتراتبية و خطية النهج العلمي وباحثين تجريبيين يرون أن النهج العلمي حس ابداع و تصور, ظهر توجه جديد يفترض أصحابه أن البحث العلمي يتطلب مجموعة من الاجراءات و القدرات تطبق بحس مبدع لا مجال فيه للخطية انما للعلاقات الشبكية الأفقية و العمودية معتبرين أن كل بحث علمي يتطلب تداخل مجموعة من المعطيات الأولية التي ينظمها العالم في شبكات منطقية فكرية للوصول الى المعرفة.

اذن يفترض هذا التوجه الجديد أن الوصول الى المعرفة العلمية  يتطلب التمكن من مهارات التفكير العلمي من جهة (الملاحظة و الاستنتاج و التفسير  و الافتراض …) ثم التجميع الصحيح و الترتيب و الربط المنطقي بين كل المعطيات المتوفرة للوصول الى تصور جديد يحقق المعرفة, و الأكيد  أن عملية الربط بين المعطيات و المراحل ليست خطية انما تخضع لعلاقات شبكية معقدة فالفرضية مثلا يمكن أن تقود الى ملاحظة كما يمكن أن تقود الى تجربة و يمكن أن تغير الاشكالية…

–  النهج العلمي في تدريس علوم الحياة و الأرض :

المتابع للساحة التعليمية سيشهد اهتمام الوزارة الوصية بالنهج العلمي في تدريس علوم الحياة و الأرض و هذا ما يدل عليه تركيزها على تجهيز مختبرات العلوم و تضمين الكتب المدرسية لكم هائل من التجارب العلمية  اضافة الى التكوينات المستمرة و التوصيات الرسمية التي استهدفت هذا الجانب. و رغم هذه المبادرات فلا يزال تدريس العلوم في بلادنا يعاني العقم و يتخبط في مشاكل عديدة مردها نقص التجهيزات من جهة و الاكتضاض و التطبيق الديداكتيكي الخاطئ من جهة ثانية. فاذا كان الهدف من التدريب على النهج العلمي تمكين التلاميذ من وسائل البحث و التقصي و مهارات الافتراض و الاقتراح  و التعامل الصحيح مع المعطيات و الوسائل المخبرية و ابداء الرأي و الاقتراح فان تدريس علوم الحياة و الأرض بشكله  الحالي على عكس ذلك يقتل الابداع و يكرس الجمود و الركود و التكرار و يجعل من مادة رائعة مصدر رتابة و ملل بدل أن تكون حافزا للابداع و التساؤل و البحث في مكونات هذا الكون البديع, فنحن خلال تدريسنا لمادة علوم الحياة و الأرض نقتل الابداع لدى المتعلم عندما :

– نفرض عليه و نكرر على مسامعه خطاطة النهج العلمي بشكلها النظري : 1-ملاحظة, 2- تساؤل, 3- افتراض, 4- تجربة, 5- نتيجة, 6- استنتاج. حتى أن التلميذ في بعض الأحيان يعرف الاستنتاج و النتيجة حتى قبل بدء الملاحظة.

– نقتل الابداع لديه عندما نقترح عليه تجربة نموذجية أنجزت في القرون الوسطى و نطلب منه اعادتها.

– نقتل الابداع لديه عندما نلزمه بفرضية واحدة من اختيارنا و نضعه داخل حدودها و عقله مليء بآلاف الفرضيات و التفسيرات التي من الممكن أن تشكل فرصة سانحة لممارسة و تطبيق النهج العلمي بطريقة مبدعة و مميزة لو تم استغلالها بالوجه الصحيح.

و لتصحيح الوضع و محاولة ممارسة النهج العلمي بطريقة صحيحة يجب :

– وضع التلميذ في وضعيات ديداكتيكية تشبه ما يقع في الواقع و اعطاءه هامشا أكبر للابداع في خلق الفرضيات و التحليل و الملاحظة و الاستغلال المناسب للمعطيات.

– تطوير النهج التجريبي الذي هو جزء من النهج العلمي بجعل التلميذ يقترح التجارب و ينجزها.

– تدريب التلميذ على تقنيات النهج العلمي (ملاحظة و افتراض و تساؤل و استنتاج و تعميم ….) دون اعتبار لترتيب معين أو فرضه و تكراره عدة مرات (لأن هذا الترتيب يختلف من وضعية الى أخرى و حتى من شخص الى آخر )

–  الجانب التطبيقي  : نماذج دروس بالنهج العلمي

النهج العلمي كما سبق و ذكرنا وسيلة أساسية للوصول الى المعرفة العلمية و لا شك أن استغلاله و تنمية مهاراته يعد أولوية في مادة علوم الحياة و الأرض, فكيف يمكن دمج هذا النهج في دروس المادة بشكل صحيح  و منتج ؟

سنتناول في هذه الفقرة 3 منهجيات ديداكتيكية تستغل النهج العلمي لتدريس نظرية زحزحة القارات المقرر في بداية الدورة الأولى من السنة الثانية اعدادي ثم سنعمد الى دراسة مقارنة لانتاجية و صعوبات كل منهجية.

    الطريقة 1 :

الملاحظة : يقترح الأستاذ خريطة للعالم و يوجه التلاميذ نحو التساؤل عن سبب تكامل سواحل بعض القارات ( تكامل الساحل الغربي لافريقيا مع الساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية كمثال )

الافتراض : يوجه الأستاذ التلاميذ الى اقتراح فرضية تقول أن القارات كانت ملتحمة.

الملاحظات : ينطلق الأستاذ من عدة ملاحظات تخص توزيع الصخور و المستحاثات لدفع التلميذ من التأكد من الفرضية.

الاستنتاج : فرضية صحيحة.

     الطريقة 2 :

اقتراح مقتطف من نظرية Alfred wegener

اقتراح مجموعة من الأسئلة التوجيهية التي تمرن عند التلميذ قدرات الملاحظة الدقيقة و التواصل الشفهي و الكتابي  و الافتراض.

مع الانتباه الى كون الأسئلة مفتوحة و تتيح للتلميذ حرية اختيار الفرضية و الملاحظة و التفسير الذي يبدو له منطقيا.

بعض الفرضيات التي وضعها التلاميذ و تأكدوا منها :

        الطريقة 3 :

ينطلق الأستاذ من وضعية مشكل تثير تساؤلات التلميذ و تستحضر تمثلاته و تصارع معارفه ثم يقدم  مجموعة من الأسناد و يقوم التلاميذ على شكل مجموعات صغيرة بالعمل عليها و استخراج ما أمكن من المعطيات و الربط الصحيح بينها لحل الاشكالية ثم تقدم كل مجموعة عملها و يناقش.

–  دراسة مقارنة :

و يتضح جليا من خلال المقارنة أن الطريقة الأقرب للتدريس بالكفايات و لتطوير النهج العلمي هي الطريقة الثالثة بحكم أنها لا تعتمد المقاربة النمطية الخطية لخطاطات النهج العلمي (مثل لطريقة1) و لا تعتمد المقاربة التاريخية لدراسة ظاهرة زحزحة القارات (مثل لطريقة2) و لكنها تعتمد نظام الاشكالية الذي يثير تساؤلات و حماس التلاميذ و يدفعهم للبحث و التقصي لحل المشكلات المطروحة.

و تبقى الاشارة الى أن الواقع التعليمي في بلادنا سيمنع في كثيرا من الأحيان من تطبيق منهج الطريقة الثالثة و اتاحت منهج علمي مفتوح يتيح للمتعلم تعلما ذاتيا و هامشا من الحرية الفكرية و ذلك بسبب ضعف التجهيزات و الوسائل التعلمية اضافة الى تدني مستوى التلاميذ و اكراهات الزمن المدرسي, الا أن هذا لن يمنعنا من استحضار بعد مبادئ هذه المنهجية من حين الى آخر و العمل بطريقة تدريجية لتمرين التلاميذ عليها.

——————————————-

لتحميل العرض  بصيغة Powerpoint2007  من موقع Mediafire :

Advertisements
Tagged with: , , ,
أرسلت فى التكوين المستمر و الامتحانات المهنية
6 comments on “المنهج العلمي في تدريس علوم الحياة و الأرض
  1. ذ : عبدالوهاب كتب:

    شكر جزيلا استاذ ابراهيم على هذا الموضوع المفيذ جدا واتمنى الاستمرار في مثل هذه الاعمال النيرة
    والتي اعجبني فيه انها تتطرق الى الجانب النظري دون اغفال الجانب التطبيقي وهذا هو العمل الجاد
    وشكرا جزيلا مرة اخرى .

    • IbraHim كتب:

      العفو أستاذنا عبد الوهاب, فعلا هذا هو المطلوب : أن نفهم النظري و أن نحاول تطبيقه عمليا بمراعات الظروف المحيطة بنا.. شكرا على الرد و سنعمل ان شاء الله على نشر موضوع متعلق بالبداغوجيا او ديداكتيك المادة كل أسبوع. تحياتي استاذي الفاضل

  2. غير معروف كتب:

    شكرا جزيلا يا أستاذ عن هذه المعلومات القيمة ورزقكم الله الأجر والمثوبه فيما تبذلونه من جهد وعمل بتفاني وإخلاص و خاصة يا أستاذ نحن بحاجة إلى معلومات و كتب باللغة العربية وللأسف هي نادرة جدا جدا و حتى و إن وجدت فهي تضم معلومات سطحية لا تفي بالغرض المطلوب كما توجد إشكالية أخرى و هي من الأهمية بمكان إلا و هي عدم توحيد المصطلحات العلمية بين أقطار الدول العربية ، حيث كل قطر له مصطلحاته الخاصة …
    مرة ثانية لك كل الشكر وكل التقدير و موفوقون إن شاء الله

    • IbraHim كتب:

      العفو اخي الكريم و اتمنى ان ما نقدمه يرقى لمستوى تطلعاتكم و هذه البداية ان شاء الله، بداية متواضعة اتمنى ان تحفزنا جميعا لبذل مزيد من العطاء لنوحد الرؤى و نتعاون للوصول الى المعرفة… تحياتي اخي

  3. العربي عوط كتب:

    بسم الله الرحمان الرحيم
    تحياتي وتقديري لجهودكم النيرة ولاهتمامكم بهده المادة الغالية علينا والتي يعتبرها الكثيرون مادة ثانوية
    ونحن نؤكد على أنها تربط بين المواد العلمية

    • IbraHim كتب:

      شكرا استاذي على الرد، و بالفعل ليس هناك مادة ثانوية و كل التخصصات العلمية و الادبية ذات فائدة للبشرية

للرد على الموضوع اضغط هنا..../

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

– معلومات عامة بالصور –

يمكنكم الاطلاع على مزيد من المعلومات بزيارة صفحتنا على موقع Facebook

– أقسام الموقع الهامة –

-----------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------

-----------------------------------------------------------------

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذه المدونة وتلقي الإخطارات عن المواضيع الجديدة لهذه المدونة عن طريق البريد الإلكتروني.

انضم 423 متابعون آخرين

ادعم مدونتنا بوضع البانر على موقعك .

%d مدونون معجبون بهذه: