مدخل الى التدريس بالأنشطة


عرف مجال التربية و التعليم تغيرات و تطورات عديدة كانت ثمرة التقدم العلمي خصوصا في مجالات علم النفس  و استمدت  ضرورتها من  المتغيرات  العالمية التي ألحت على ضرورة تكوين أفراد بكفاءات معينة لمسايرة السباق الحثيث نحو التنمية.

و لا شك أن أهم التغيرات التي عرفها التعليم هي تحوله من تعليم مرتكز على المعارف الى تعليم معتمد على المهارات التي أصبحت مطلوبة أكثر في سوق العمل, فرض هذا التحول اعادة برمجة العملية التعليمية التعلمية لتساير هذا النهج الجديد و ذلك بوضع التلميذ في مركزها و الاهتمام أكثر بحالاته الذهنية و بسبل تطوير مهاراته الاجرائية بعدما كان ينظر  اليه كوعاء متلقي سلبي للمعارف دونما اعتبار لقدراته و حالاته النفسية و تمثلاته.

شجع هذا التوجه الجديد اذن نحو البحث عن طرق تدريس جديدة تتيح للمتعلم حيزا أكبر من الاختيار و اتخاذ القرار و ابداء الرأي و تحفز على تطوير مداركه و تحسين استراتيجيات فهمه لما يحيط به من ظواهر و تشجعه على التعلم الذاتي. فكيف يمكن اذن تكييف برامج و مناهج تدريس مادة علوم الحياة و الأرض لتناسب هذا التوجه الجديد ؟

الأكيد أننا لن نستطيع أن نتفق حول منهجية ثابتة لتدريس مادة علوم الحياة و الأرض و ذلك لكثرة المتغيرات المتدخلة في هذه العملية و تباين ارتباطاتها الأفقية (أهداف تدريس العلوم, مستوى التلاميذ, توفر الوسائل التعليمية, المحيط المدرسي, الثقافة و العادات, الزمن الدراسي…) و هذا ما يثبته ميدانيا تنوع استراتيجيات و مناهج الأساتذة في تناولهم لدروس هذه المادة, و لكن سنحاول, قدر الامكان, أن ننهل من مختلف المنهجيات و التجارب الناجحة لبناء استراتيجية مرجعية (الى حد ما ) تأخذ بعين الاعتبار المفاهيم النظرية و الواقع التدريسي للمادة.

أهداف تدريس مادة علوم الحياة و الأرض بالسلك الاعدادي :

لا يمكننا أن نحدد منهجية عمل دون أن نتطرق للأهداف العامة لتدريس المادة, هذه الأهداف تؤسس الاطار المفاهيمي العام للبرنامج الذي سيسطره الأستاذ طيلة السنة و تجعل من نظرته لأجزاء هذا البرنامج و دروسه نظرة شمولية تبنى فيها المعرف و المهارات بطريقة تدرجية و بترابط منطقي للوصول الى هدف معين في نهاية السنة و في نهاية السلك الاعدادي.

تتلخص أهداف تدريس مادة علوم الحياة و الأرض بالسلك الاعدادي في ثلاثة أبعاد :

اذن رغم كثرة و تنوع دروس و محاور مادة علوم الحياة و الأرض فهي في الحقيقة تستهدف هذه الأبعاد الثلاثة في شموليتها و ترابطها مع بعضها البعض, ففي نهاية الاعدادي يجب أن يكون التلميذ قد اكتسب : معارف خاصة بجسمه و كيفية المحافظة عليه و أخرى خاصة بتركيب ووظائف الكائنات الحية و علاقتها بالمكونات الفيزيائية للوسط الطبيعي, و أن يسخر كل هذه المعارف الماكاملة لتكوين سلوكات تحافظ على الذات و تحترم الآخر و البيئة.

الكفايات المنهجية في مادة علوم الحياة و الأرض :

الى جانب الأهداف المعرفية في بعدها البيئي و الصحي و البشري ركزت توصيات وزارة التربية الوطنية على أهداف ذات بعد منهجي, فلا يكفي كما ذكرنا في المقدمة أن نكون تلميذا معرفيا انما يجد أن نكون تلميذا يمتلك مجموعة من المهارات الذهنية و التحليلية و الحسية الحركية تجعله يستفيد من المعرفة في حياته الشخصية و المهنية و يخلق آفاق جديدة لاستغلالها.

اذن حسب هذه المقاربة الجديدة يجب أن يوفر كل درس من دروس علوم الحياة و الأرض فرصة للتلميذ لبناء معارفه من جهة ( حيث يحتوي الدرس على حمولة معلومات لها علاقة بالأهداف و البرامج الرسمية ) و الاشتغال و تمرين مهاراته من جهة أخرى عبر مجموعة من الأنشطة التي تحتوي أسئلة (وضعيات ديداكتيكية ) تستحضر تمثلات التلاميذ و تستنفر قدراتهم العقلية بهدف حلها.

و يقتصر دور الأستاذ, بعد اعداد الأنشطة و الوضعيات الديداكتيكية, على اسقبال أجوبة التلاميذ و تثمينها (بحيث ليس هناك اجابات خاطئة بل اجابات يستغلها الأستاذ لاثارة النقاش و النقد و التصحيح و بالتالي تطوير المهارات لدى المتعلم ) و استثمارها و ترتيب النافع منها و تصحيح الأخطاء المنهجية و بهذا تكون استراتيجية العمل بالأنشطة حققت عدة مكاسب نذكر منها :

- جعلت محتوى الدرس محتوى نشيط و دينامي.

- شجعت على الحوار و التواصل و المبادرة الشخصية.

- أكسبت التلميذ معارف و طورت في نفس الوقت مهاراته.

- اهتمت بتمثلاته السابقة و جعلته يصححها ذاتيا.

- قللت نسبة تدخل الأستاذ في العملية التعلمية.

- حققت تساوي الفرص بحكم أنها لا تعتمد في تقييم التلاميذ على المعرفة و لكن على استراتيجيات الوصول اليها (الملاحظة الدقيقة و الربط المنطقي و التفسير…) و بالتالي أعطت فرصة لفئة كبيرة من التلاميذ (الذين كان يعتبره النظام القديم كسالى لأنهم لا يملكون المعرفة الجاهزة ) للمشاركة و ابداء الرأي و ساهمت بالتالي في الرفع من ثقتهم.

نموذج لنشاط تعليمي-تعلمي :

اتفقنا أن المنهجية المناسبة لتدريس علوم الحياة و الأرض هي العمل بنظام الأنشطة التي تحتوي وضعيات ديداكتيكية تجمع بين المعارف و المهارات, و حتى لا نبقى في المجال النظري أقترح عليكم نموذج لنشاط من درس الزلازل للسنة الثانية حتى يتسنى لنا تحليل وضعياته الديداكتيكية و فهم محتوياتها من معارف و مهارات :

يهدف النشاط الى تمكين المتعلم من مفهوم البؤرة الزلزالية و المركز السطحي, ونسجل هنا أن التطرق الى تعريف هذين المصطلحين يمكن أن يتم حسب البيداغوجيات القديمة في أقل من 5 دقائق بينما يمكن أن يستغرق أكثر من 20 دقيقة حسب المنهجية الجديدة التي تركز على المهارات و طريقة الوصول و استغلال المعارف بدل المعارف نفسها.

ختاما, منهجية الأنشطة في علوم الحياة و الأرض وسيلة لتحسين طرق تدريس المادة ووضع التلميذ في مركزها و جعله يقوم بمعظم عملياتها و اشراكه بطريقة ايجابية في التعلمات و بناء معارفه و كذلك مهاراته الذهنية و الحركية عبر مجموعة من الوضعيات الديداكتيكية النظرية و التجريبية.

لتحميل العرض  بصيغة Powerpoint   من موقع Mediafire  :

هل تتفق مع هذا التوجه الجديد ؟ ما هي السلبيات و الصعوبات التي تعترض هذه المنهجية على أرض الواقع و كيف يمكننا تحسينها ؟

About these ads

Posted on يوليو 26, 2012, in التكوين المستمر و الامتحانات المهنية and tagged , . Bookmark the permalink. 13 تعليقات.

  1. شكرا على هذا الموضوع المهم ،نحن في حاجة لمثل هذه المداخلات
    جزاكم الله عنا خير الجزاء

  2. الله يجازيكم بكل خير في هذا الشهر المعظم ويجعله لنا ولكم عتق من النار ونحشر ان شاء الله مع الأبرار,,,,,,,

  3. انها فعلا منهجية مثالية لتدريس المادة . لكن تطبيقها على ارض الواقع يصطدم ببعض الصعوبات و من ابرزها طول المقرر و ضيق الوقت . فتطبيق الانشطة يحتاج وقتا لا يستهان به و اذا ما اتبعها الاستاذ في جميع الحصص فلن يتمم المقرر لفي وقته . هذا عائق اصادفه شخصيا في الفصل و اتمنى من الاخوان افادتنا بتجاربهم الناجحة في الفصل لتجاوز هذا العائق و شكرا .

    • معك حق استاذي الفاضل، تطبيق توصيات البيداغوجيات الحديثة -التي تؤكد على ضرورة التعلم الذاتي و جعل التلميذ في مركز العملية التعليمية التعلمية – يصطدم مع واقع يشهد العديد من المشاكل كضعف المستوى و الاكتضاض و قلة التجهيزات و عدم اهتمام التلميذ بالتعلم، شخصيا اعتبر ان التعليم بالانشطة فرصة لبناء مهارات و قدرات التلميذ بدل التركيز على شحنه بالمعارف و لهذا احاول ما امكن اختيار ادنى قدر من المعارف التي تنص عليها الاطر المرجعية لاتاحة حيز زمني كافي للاشتغال على مهارات المادة (الملاحظة و الاستنتاج و التجريب…) كل هذا يتم بمراعاة مستوى التلاميذ و نوعية الدروس و لا انكر هذه المعادلة صعبة و كثيرا ما تفشل لكن لا مانع من المحاولة و التعديل و التغيير المستمر حتى يتحقق المبتغى

  4. شكرا لك اخي الفاضل على الموضوع و على تشجيعك للمدرس من اجل الرقي بالتعليم في بلادنا

  5. منهجية رائعة تحترم مباديء التربية الحديثة , ولكن بغض النظر عن كل الاكراهات فان

    هندسة القاعات المتخصصة المهياة بطريقة تقليدية لاتمكنك من ذلك , لكن هذا لايمنع من المحاولة حتي تحقيق التحولات الئ نصبو
    اليها

  6. موضوع جد ممتاز مقاربته و منهجيته تنمان عن حس بيداغوجي فتحية لكم من مفتش في المادة للتواصل tahar1978@hotmail.fr

للرد على الموضوع اضغط هنا..../

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 326 other followers

%d bloggers like this: